الإستخراجيّة و الحق في الموارد الطبيعية في تونس : “ماتحكيش عالفسفاط راني لا نسمع لا ندلّ”

Author: Emna Mornagui*

ماتحكيش عالفسفاط راني لا نسمع لا ندلّ

بيتُ شعر نظمَهُ المناضل غسان عمامي بٌعيْدَ إنتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008. تصوّر القصيدة محاكمةَ شابّ من المنتفضين في الرّديف حيث يزجر القاضي المتهمعن التجرؤ على الخوض في نقاشات حول الحق في التوزيع العادل للثروة، والحق في الشغل والعيش الكريم والبيئة السليمة و يعاقبه بالسّجن. بيتٌ على بساطته واختصاره يلخّص القمع المرتبط بتجريم الحراك الاحتجاجي حول الحق في الموارد الطبيعية ،والحق في فتح باب النقاش حول إعادة التفكير في مسألة الصّناعات الاستخراجية و استخراج الفسفاط و تحويله بصفة خاصة، الذي بٌنيَ عليه الإقتصاد التونسي، وٱعتُبر منذ أكثر من قرن المقوّم الأساسي للتنمية الإقتصادية للبلاد و البحث في تقييم التكلفة الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية لهذا النموذج الإقتصادي.

في هذا الإطار، نظّمت مؤسسة روزا لوكسومبورغ، في إطار فعاليّات تظاهرتها رمضان في روزاندوتين: تناولت الأولى التنمية و الفسفاط :التكاليف الخفيّة و الثانية الحراك الاحتجاجي حول الموارد الطبيعيّة“.

إنطلقت النّدوة الأولى تحت عنوان التنمية و الفسفاط :التكاليف الخفيةمن آخر سلسلة الإنتاج حيث تناول التدخل الأوّل لزوي فيرنان ممثلة المنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية التداعيات البيئية والصحية للمجمّع الكيميائي بڨابس مبرزة أثر التلوث الكيميائي للهواء على صحة المواطنين في مدينة قابس، وأثر إلقاء الفضلات الكيميائية الفوسفوجيبسفي البحر على التنوع البيولوجي في خليج قابس والثروة السمكية. كما تطرق التدخل إلى تطور الحركة الإحتجاجية في قابس و شنني و شط السلام للمطالبة بحلول لوقف التلوث ونقل المجمع الكيميائي من قابس.

نضالات قادها نشطاء جمعيات المجتمع المدني بقابس أجبرت سلطة الإشراف والقائمين على المجمّع على طرح ملف نقل المجمع الكيميائي على طاولة النقاش. و بينما تباينت الأراء و التعاليق من بين المتدخلين في النقاش الذي تلى التّدخل، بين مؤيدٍ لقرار النّقل معتبرا إياه انتصارا للنّضالات البيئية في مدينة قابس و رافضٍ لمواصلة التعويل على منوال اقتصادي يرتكز على إستخراج وتحويل الفسفاط، فقد أكدّت زوي فيرنان على إستحالة الإيقاف النّهائي لنشاط المجمع الكيميائي باعتباره يؤمّن أكثر من 6500 مواطن شغل وجب حمايتهم حسب شروط الإتحاد العام التونسي للشغل“. نفس الفكرة أكدّها ممثل تنسيقية العدالة البيئية للمنتدى التونسي للحقوق الإقتصادية والإجتماعية بالرديف رابح بن عثمان في تدخّله الذي خٌصّص لطرح التّحديات التي يواجهها المناضلون البيئيون من أجل فرض المسألة البيئية التي تكاد تكون غائبة تماما ضمن محاور النّضالات الإجتماعيّة في منطقة الحوض المنجمي مؤكّدًا أنّ ملف البيئة طالما كان بمثابة ورقة ضغط للمفاوضة في ملف التشغيل صلب شركة فسفاط قفصة أو المجمّع الكيميائي. و أضاف بأنّ الحركة الإحتجاجية في المنطقة تجد نفسها إلزاما أمام معادلة: التشغيل أو البيئة.

وجهة نظرٍ تطرح أكثر من سؤال حول جدوى النّضال البيئي من أجل حلول ترقيعية تنادي بـإستخراجيّة صديقة للبيئةو مطابقة لمعايير التلوث العالمية في حين أنّ الأصل في الفكرة هو أنّ العالم عامة و مثلث الموت في تونس خاصة ( قفصة ـ قابس ـ صفاقس) لم يعد يحتمل معاييرًا تٌحدَّدُ سلفا لتلوثٍ رحيمٍ يقلّل نسب الإصابة بأمراض الحساسية ومشاكل التّنفس وهشاشة العظام والسرطان قليلا والتي لا تفتأ تتزايد حسب تدخل رابح بن عثمان إلى عشرين حالة إصابة بسرطان الدماغ سنويا في الرديف. ولم يعد يحتمل أيضا تلوثًا يقضي كليا على الثروة المائية الباطنية و السطحيّة التي عرج عليها علاء المرزوقي ممثل المرصد التونسي للمياه في تدّخله، مبرزا حجم اﻹستنزاف النهم للمائدة المائية في عملية غسل الفسفاط (17500 متر مكعب في الثانية)، و تلوثها الناجم عن أوحال الفسفاطو التي قدرت بتسع وثلاثين مليون طن في سنة والغنيّة بنسب مرتفعة من المعادن الثقيلة حسب الأرقام التي قدمتها آخر دراسة قام بها المرصد تحت عنوان الماء والعدالة الإجتماعية في الحوض المنجمي“.

أرقام مفزعة تطلقها هذه الدّراسة وغيرها حول تأثير نشاط استخراج الفسفاط على الصّحة والتنوع البيولوجي والموارد المائية وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية، تدفعنا إلى إعادة التفكير قبل القبول بأن تستجيب مياهنا و تربتنا وهواؤنا و خبزنا و حياتنا إلى معايير تلوثتؤجّل موتنا قليلا مادمت تؤمّن لنا بعض القوت المستعجل عبر توفير مواطن شغل لازالت ترتهن إلى منظومة الفساد المتغلغلة في كامل مفاصل و محطّات عملية إنتاج الفسفاط حسب تدخّل رابح بن عثمان، إنطلاقا من عمليات التفجير المتسبّبة في تلوّث سمعي، ثم النّقل الملزم قانونا للشركة الوطنية للسكك الحديدية والذي وقع التفريط فيه لصالح رجل أعمال نافذ (حسب بعض المتدخلين في النقاش) و الغسل و إخلاء المياه غير المطابقين للـمعاييروصولا إلى اختيار أماكن مغاسلالفسفاط. وضعية تدفعنا، من أجل البحث في التكاليف الخفية للفسفاط، إلى التفكير خارج المنظومة الحالية القائمة على مزيد من الإستخراجية المدمّرة للبيئة و المكرّسة للا عدالة الإجتماعية عبر إصرارها على المحافظة على أشكال تشغيل هشة لا تضمن الحق في العيش الكريم وتركيز البحث حول بدائل تنموية ترنو إلى نموذج إقتصادي و إجتماعي عادل ومستدام.

في هذا الصدد، أشار الممثل عن التنسيقية الوطنية للحركات الإجتماعية بالمكناسي أحمد الغابري إلى دور الحركات الإجتماعية في خلق شكل مقاومة مدنية تفكر و تنتج وتطرح بدائل أهمّها الإقتصاد التضامني والإجتماعي التي يسمح بإنتاج الثروة وضمان استمرارية إنتاجها، وتوزيع عادل لها إضافة إلى إعادة هيكلة الأراضي الدولية من أجل التخلي نهائيا على معادلة الفسفاط وإنقاذ الشعب من التبعية الإقتصادية و الغذائية معا. هذا وكان قد افتتح تدخله بتقديم بسطة حول تطور الحركة الإحتجاجية بالمكناسي منذ 2011 من المطالبة بالتشغيل و بالخدمات الإجتماعية وصولا إلى المطالبة بإعادة فتح منجم الفسفاط. وقد اعتبر أن هذا القرار هو بمثابة كارثة إجتماعية وبيئية في منطقة أكثر من 80% من النشاط الاقتصادي فيها مبني على القطاع الفلاحي المهدد من جهة أخرى بإستنزاف الموارد الطبيعية من ماء و تربة من قبل الزراعات المكثفة التي يقوم بها كبار المستثمرين و شركات الإحياء و التنمية الفلاحية.

أما النّدوة الثانية التي عقدت تحت عنوان الحركات الاحتجاجية على أساس الحق في الموارد الطبيعيةفقد تناولت مسألة الحراك الاحتجاجي في تونس بمختلف الموارد الطبيعية. قدّمت الجامعية و الناشطة ليلى الرياحي في تدخلها أولا لمحة تاريخية حول مختلف الهبّاتالشعبية(على حد تعبيرها) التي تعلقت مباشرة بالموارد الطبيعية إنطلاقا من خاطرة الفراشيش في 1864 وصولا إلى إنتفاضة الحوض المنجمي ثم حركات وينو البترولِِو أحداث الكامور و الفوار. ثم تطرقت في جانب ثانٍ إلى القوانين التي تنظم عملية إستغلال الموارد الطبيعية و التي إعتبرها دستور 2014 في فصله الثالث عشر ثروات وطنيةلكل مواطن الحق فيها، داعية إلى ضرورة تحسين القوانين مما يضمن مزيدا من الشفافية في العقود المبرمة و كذلك إلى إعادة المفاوضات حول الإتفاقيات التي أبرمتها تونس مع الشركات المستغلة. وختمت تدخلها بالتنويه إلى أن الحراك الإحتجاجي على أساس الحق في الموارد الطبيعية لم يكن بالجدية و النجاعة اللازمة و فسّرت ذلك بتواصل تغير الخارطة السياسية وإختلاف موازين القوى، وكذلك إلى تجريم الحراك الإجتماعي، وإلى الدورالمعيقالذي لعبه المجتمع المدني بدخوله كوسيط تفاوض بين القوى المحتجة والسلطة.

في المقابل ركّز الأستاذ الباحث في علم الإجتماع المولدي قسّومي على محاولة تفسير مفاهيم الثروات الطبيعية / الموارد الطبيعيةو الحركات الإحتجاجية / الحركات الإجتماعيةو الفرق بينها و ربط خارطة الإحتجاج في تونس بالمناطق الغنية بالثروات الطبيعية. وأعاد أسباب الفشل الجزئي أو الفتور لهذه الاحتجاجات إلى عدم تجذرها في مطلبيتها و عدم قدرتها على التفكير وخلق بدائل واصفا إياها بمظاهر الرفض الإجتماعيالتي لا ترتقي إلى تصنيف الحركات الإجتماعية“.

نفس الفكرة تقريبا جاءت في التدخل الأخير لفؤاد الغربالي الأستاذ والباحث والصحفي، الذي فسر هذا الفشلبالاقتصار على الإحتجاج غير المبني على برامج دسمة وأفكار بديلة للنموذج الاقتصادي الريعي. تدخلان أخيران فتحا بابا كبيرا للنقاش في الأسباب الحقيقة في عدم تطور الحراك الاحتجاجي في تونس إلى حركات إجتماعية الذي فسره بعض المتدخلين إلى أسباب داخلية أهمها القصور عن التفكير والخلق، و أسباب خارجية أهمها الدور الذي لعبته السلطة بسياسات التسويف والإستثمار في الوقت من جهة والقمع و تجريم الحراك الإجتماعي من جهة أخرى.

نقاش على أهميته لم يترك متسعا من الوقت والإهتمام إلى الخوض في مسائل على درجة من الأهمية والارتباط العضوي بموضوع الندوة، كتوسيع النقاش حول عديد النقاط التي تم التطرق إليها كتساؤل جاء على لسان ليلى الرياحي في تدخلها يتعلق بما يمكن اعتباره من الموارد الطبيعية “ثروة” يمكن استخراجها واستغلالها قبل التفكير في توزيعها بصفة عادلة. أشير هنا إلى كلّ ما تقدمّه الطبيعة وكل ما ابتكر الإنسان من طريقة لإستغلالها, فوق الأرض وفي باطنها, من ماء وتربة و موارد نباتية و حيوانية ومعادن وغيرها. و هنا يطرح السؤال: أما آن اﻷوان للتفكير جديا خارج النموذج اﻹقتصادي العالمي القائم على اﻹستخراج و الذي ما فتئ يحول منذ عقود وجه اﻷرض و باطنها إلى مقاطع تنهب بسرعة خيالية ما شكلته الطبيعة في ملايين السنين؟ أما آن اﻷوان للتفكير في هذا النهم الذي يلتهم الرخام و الرمل و الحديد و الجبس و الجير و الحجر و المعادن و غيرها ليغير نهائيا توازن اﻷرض من أجل إشباع شهية رأس المال في المزيد من مراكمة الثروة عبر بيعه المتواصل لوهم الحداثة؟

يجرّنا هذا التساؤل إلى التفكير في البٌعد البيئي لاستغلال الموارد الطبيعية ( كالفسفاط والبترول والغاز الصخري و الغابات) في وقت ترتفع فيه عديد الأصوات في العالم للمطالبة بوقف استخراج النفط والغاز والفحم و تنادي بعالم ممكن دون طاقة أحفورية، ثم إلى ملكية الموارد الطبيعية الفردية أو الجماعية أو غيرها, أي إن كان الخوض في مسألة الحراك الإحتجاجي بمراكماته و تعدد التقييمات حوله و بأسباب فشله أو نجاحه يكون على أساس الحقفي الموارد الطبيعية، فمن له الحق في السيادة الكاملة على إستغلال و توزيع الموارد؟

هذه التساؤلات وغيرها أتجرأ اليوم على الخوض فيها و أدعو إلى النقاش الجماعي حولها، كما تجرأ المتهم في تلك القصيدة.. كما أتمنى أن يتجرّأ الجميع.

*Emna Mornagui is activist, ecologist and staffer in OSAE